أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 49

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

باطّلاع كلٍّ منهما على فكر الآخر . ونحن لا نريد تبرئة أتباع التيّار الإصلاحي المتّهمين بعدم اطّلاعهم الكافي على التراث . ولكن إذا اقتصرنا في عرضنا على الرموز ، فإنّ رموز التيّار الإصلاحي - في دائرته الضيّقة - معترفٌ لهم بتمكّنهم من التراث ، إلّا أنّني - وبحسب ما أجد - لا أرى مزيد اهتمام من الطرف الآخر بالاطلاع على نتاجاتهم وآرائهم . ولهذا أجد - في معايشاتي اليوميّة - الكثير من المعجبين بفكر السيّد الصدر ( ره ) الأصولي وفكر الشهيد مطهّري ( ره ) الفلسفي ، ولكنّهم ليسوا على استعداد للاطلاع على نتاجاتهم وآرائهم في ما يتعلّق بما خرجوا به عن الوضع الرتيب . وقد عزّز هذا الواقعَ المزاوجةُ الحاصلة بين التغيير في المجال الإداري والفقهي والحكومتي والدراسي وبين الانقلاب في المجال العقائدي ، ما يساهم في انكفاء الطالب عن ذلك ، مع أنّه لا ملازمة بين المجالين على الإطلاق . وفي ما يتعلّق بالسيّد الصدر ( ره ) - موضوع دراستنا - نقل لي أنّ أحد المراجع ردّ في درسه إشكال أحد طلبته الذي لجأ فيه إلى حساب الاحتمال - الذي يستخدمه السيّد الصدر ( ره ) بكثرة - معلّلًا بأنّ « ما جاءنا من الغرب نردّه إليه » . وعبّر أحد مدرّسي الفلسفة عن هذه النظرة في تعبيره بأنّ نظريّة الاستقراء قد أتى بها السيّد الصدر ( ره ) من « ألعاب القمار » ! ! ونحن نسأل : هل هذا تشويه عفوي ، أم أنّه لجوءٌ عمدي إلى نفور المتشرّعة من الغرب ومن القمار لقلب الطاولة على أطروحة الصدر الذي لا ذنب له سوى أنّه استخدم مصطلحاً خلت منه كتب القوم ، ولم يذكره الشهيد الثاني في فقهه أو الوحيد البهبهباني في أصوله ؟ ! وعلى ماذا يعتمد الفقهاء - ومنهم فقيهنا - في حياتهم اليوميّة وفي تجميعهم للقرائن في بحوثهم الفقهيّة والرجاليّة ؟ وهل أنّ تكوّن البذور الأوليّة لنظريّة الاحتمال الرياضيّة في مناخ ألعاب الحظ والقمار ، بدءاً من لوسا باسيولي وجيرولاموا كاردانو ونيكولو فونتانا تارتاجليا ، مروراً بجاليليو جاليلي في أجوبته الرياضيّة عن أسئلة صديقه المقامر ، وصولًا إلى بليز باسكال في جوابه عن سؤالي شيفلييه دي ميريه المتعلّقين بالقمار كذلك . . هل هذا التكوّن التاريخي يجوّز لنا تسطيح المسألة التي تغيّرت ماهيّة البحث فيها بشكل شبه كامل في مطلع القرن العشرين مع هنري بوانكاريه وألفرد نورث وايتهد وبرتراند رسل وريتشارد فون مايسز وهانز رايشنباخ وجون ماينار كينز وأندريه كولموغوروف وكارل بوبر وشارلي دنبر برود وردولف كارناب وغيرهم الكثير . . لتصبح من أعقد وأعوص المشكلات التي يواجهها البحث الفلسفي للفكر البشري عموماً . . هل هذا التكوّن يجوّز تسطيح المسألة إلى هذا الحد ؟ ! إنّ القطيعة إلى هذا الحد غير قابلة للتحمّل ، وإذا قدّر لها البقاء ، فالحلُّ الناجع هو أن يلتزم كلُّ طرف الصمت تجاه أطروحات الطرف الآخر . . الأمر السابع رجوعاً إلى أصل الموضوع ، نجد أنّ الناس قد انتهجوا أحد منهجين ، كلاهما لا يخلو من عيب :